كمال الدين دميري
401
حياة الحيوان الكبرى
يرينا أصحابه كما قال . فانطلق معه أرموس واصطفوس ، وانطلق معهما أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم . ولما رأى الفتية أصحاب الكهف ، تمليخا قد احتبس عنهم بطعامهم وشرابهم ، عن القدر الذي كان يأتيهم فيه ، ظنوا أنه قد أخذ وذهب إلى ملكهم دقيانوس ، الذي هربوا منه . فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذا سمعوا الأصوات ، وجلبة الخيل مصعدة نحوهم ، فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس ، بعث إليهم ليؤتى بهم ، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض ، وقالوا : انطلقوا بنا إلى أخينا تمليخا ، فإنه الآن بين يدي الجبار دقيانوس ، ينتظر متى نأتيه . فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس بين ظهراني الكهف فلم يروا إلا أرموس وأصحابه ، وقوما وقوفا على باب الكهف ، وقد سبقهم تمليخا فدخل عليهم وهو يبكي ، فلما رأوه يبكي بكوا معه ، ثم سألوه عن شأنه فأخبرهم بخبره وقص عليهم المسألة فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياما بإذن اللَّه تعالى ذلك الزمان كله ، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقا للبعث ، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها . ثم دخل على أثر تمليخا أرموس ، فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة ، فقام بباب الكهف ودعا رجالا من عظماء أهل المدينة ، ففتح التابوت عندهم فوجدوا فيه لوحين من رصاص ، مكتوبا فيهما : إن مكسلمينا وامليخا ( أو تمليخا ) مرطوكش ونوالس وسانيوس وبطنيوس وكشفوطط كانوا فتية ، هربوا من ملكهم دقيانوس الجبار ، مخافة أن يفتنهم عن دينهم ، فدخلوا في هذا الكهف ، فلما أخبر بمكانهم أمر بهذا الكهف فسد عليهم بالحجارة ، وأنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلم من بعدهم إن عثر عليهم . فلما قرؤوه عجبوا وحمدوا اللَّه عز وجل ، الذي أراهم آية البعث فيهم . ثم رفعوا أصواتهم بحمد اللَّه وتسبيحه ثم دخلوا على الفتية الكهف فوجدوهم جلوسا بين ظهرانيه ووجوههم مشرقة لم تبل ثيابهم . فخر أرموس وأصحابه سجدا للَّه تعالى وحمدوا اللَّه الذي أراهم آية من آياته ، ثم كلم بعضهم بعضا وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس الجبار . ثم إن أرموس وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح تاودوسيوس ، أن عجل لعلك تنظر إلى آية من آيات اللَّه تعالى ، جعلها اللَّه آية على ملكك وجعلها آية للعالمين ليكون ذلك نورا وضياء وتصديقا بالبعث ، فاعجل على فتية بعثهم اللَّه وكان قد توفاهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة . فلما أتى الملك الخبر قام من السدة التي كان عليها ورجع إليه عقله ، وذهب عنه همه ، ورجع إلى اللَّه تعالى ، وقال : أحمد اللَّه رب العالمين رب السماوات والأرض ، وأعبدك وأسبح لك تطولت علي ورحمتني برحمتك ، فلم تطفئ النور الذي كنت جعلته لآبائي وللعبد الصالح قسطيطوس الملك ، فلما أنبىء به أهل المدينة ركبوا إليه وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف وأتوه ، فلما رأوا الفتية تاودوسيوس ، فرحوا به وخروا سجدا على وجوههم . وقام تاودوسيوس قدامهم ، ثم اعتنقهم وبكى ، وهم جلوس بين يديه على الأرض ، يسبحون اللَّه تعالى ويحمدونه ، ثم قال الفتية لتاودوسيوس : نستودعك اللَّه ، ونقرأ عليك السلام ، حفظك اللَّه ومد ملكك ، ونعيذك باللَّه من